Sunday, November 8, 2009

كفيت ووفيت دكتور


أحمد البغدادي
طلبتي... وداعاً


أوتادلم أعدم الأمل بشباب الكويت رغم تشاؤمي المعروف... ولا أملك سوى شكر طلبتي
كثيرا ما يقولون و"وداعا وإلى لقاء" وبكل ألم لن أستطيع أن أقول لكم ذلك بسبب الظروف الصحية السيئة التي أمر بها الآن,أبنائي: لقد جمعتني بكم الجامعة وقاعات المحاضرات, لقد كانت أياما جميلة لن تعود مع الأسف الشديد, سنوات قضيتها في رحاب الجامعة ولم يخطر على بالي يوماً أنني سأعجز حتى عن توديعكم شخصيا. أعلم تماما أنني لم أكن كما يقولون "كامل الأوصاف", لكنني حاولت جهدي أن أقدم لكم كل ما لدي من علم عن موضوعات المحاضرات, موضوعات لم تتعلق بها حياتكم يوما, ولن تتعلق بها في المستقبل بعد التخرج, لكنها علم لا يستغني عنه العقلاء.أعلم تماما الأوصاف التي كنتم تطلقونها علي من وراء ظهري..." نحيس" ... "لعين", أسئلته صعبة , لا يقدر الظروف..لا يساعد في الدرجات..وهي آراء لا تخلو من الصحة, لكن ضعوا عيونكم في عيوني مباشرة وقولي لي صراحة: هل كنت مقصرا في شرح المادة العلمية? هل كنت أعاملكم بظلم او بمحاباة بعضكم على بعض? هل كنت أتغيب عن المحاضرات? هل شعرتم يوماً بعدم العدل أو بالظلم عند حصولكم على الدرجات? هل استثنيت نفسي بالمحاباة بإتيان ما كنت أنهاكم عنه? ألم أكن حريصا ومذكرا دائما وبإلحاح لكم بأهمية الالتزام في الحياة? لم تكونوا يوما ما طلبة أغبياء, لكنكم كنتم طلبة كسالى بامتياز, وكنت لا أتردد عن قول ذلك لكم جهرا. ولا بد أن تعترفوا في المقابل أنكم كنتم كثيري التغيب وعدم الانتظام في الحضور وعدم الاستعداد بقراءة الموضوعات المطلوبة للمحاضرة, وما أكثر أعذاركم الواهية! كل هذه " المتع " ستظل ترافقني بقية حياتي التي سأقضيها بعيدا منكم. فما أقصر الطريق, وما أطول الآمال!أتدرون كم هي ممتعة حياة التدريس? وأصارحكم القول, لقد جلبتم المتعة لحياتي الشخصية. قد لا تصدقون ذلك.لكنها الحقيقة... كنتم مرآة الزمن التي كنت أرى من خلالها شبابي الماضي. وبرغم مشكلاتكم سأعترف لكم اليوم بعد أن حالت ظروف المرض دون مقابلتي إياكم, أن الحياة معكم لم تخل من ضحكات عابرة ضحكناها معا في جنبات قاعة المحاضرات. كنتم تروني ديكتاتورا, وكنت أرى ضرورة تعليمكم الآن معنى وأهمية الالتزام قبل انغماسكم في خضم الحياة, كنت أجمع الكتب التي كنتم تتخلصون منها بعد تقديم الامتحانات, متحسرا على الأموال التي أنفقتموها دون إحساس بالمسؤولية, فاللامبالاة كانت لكم أسلوب حياة, ولست ألومكم في هذه المرحلة من الحياة الطائشة.خلال أكثر من ثلاثين عاما, استحضر اليوم أسماء طلبة تشرفت بتدريسهم, وفرحت لما وصلوا إليه من مناصب في الدولة, ومنهم من فرضوا أنفسهم بشقواتهم. الذاكرة لا تتسع لهم جميعا, لكنها تضم في خباياها, الشاعر والباحث عقيل العيدان وحمد بورحمة ( سفيرنا في السنغال ), وعلي نخيلان (سفيرنا في السويد ), ومنصور مبارك وعلي الظفيري ( الخارجية ) ويوسف الهولي و "مدحت ", أقصد محمد ششتري ( يعلم ماذا أقصد ), وطلال المطر (زعيم الرواد ), وعبد العزيز الفلاح ( أفغانستان ) الذي بدأ دراسته معي مكفراً لكل الليبراليين ثم ينتهي به الأمر بإعادة التفكير في مفاهيمه الدينية بعد بعض النقاشات بشأن ما ورد في بحثه من مغالطات, وهو اليوم بحمد الله أكثر عقلانية, وفيصل العنزي وحسين الصباغة وسالم المذن وسالم المري, وحتى أوس الشاهين زعيم طلبة "الإخوان المسلمين" في الجامعة, والذي رسب بسبب التغيب, ثم تقدم بالشكوى ضدي! ولا يعلم سوى الله إلى أين وصلت اليوم هذه الشكوى, والأوزبكستاني نور الدين وابن البحرين, إلى جانب الطالبات اللواتي تمنعني العادات والتقاليد من ذكر أسمائهن...لكل هؤلاء الشكر على إسعادهم إياي بتكاسلهم والصد عني حين كنت أحرجهم بالأسئلة, أشكر الذين واللواتي شاركوا وشاركن في النقاش ليشعروني أن الدنيا لا تزال بخير, وأن الكويت لا تعدم شبابا نافعا.اليوم والمرض يقعدني عن مقابلتكم لأشكركم على تلك اللحظات السعيدة والمزعجة, لا أملك سوى التمنيات لهم بالتوفيق سواء أثناء دراستهم وبعد تخرجهم, وليتذكروا أن لي نصيباً في كل ما يحققونه في حياتهم, لا شك أن الحياة ستلهيهم بمشكلاتها, لكنهم لن يعدموا سويعات ترجع بهم إلى سنوات الجامعة بحلوها ومرها, وقد يتذكرون أستاذا حاول جهده أن يعلمهم أهمية الالتزام وأن يبين لهم أهمية العلم, من هؤلاء من شكرني بعد سنوات طويلة بعد التخرج...وخلال هذه السنوات الطوال لا أفتخر بشيء كافتخاري بما قاله لي أحد أصدقائي الأعزاء يوم زارني في الجامعة, كان يبحث عن مكتبي.. فسأل أحد الطلبة العابرين في القسم, فقال له الطالب معتقدا أنه أحد الطلبة: إذا كنت تريد علما, عليك بالدكتور البغدادي, أما إذا كنت تريد درجة, فلا تسجل عنده! وبرغم أن هذا الطالب قد وضع من دون قصد وساما على صدري, إلا أنه كغيره من الطلبة لم يعلم كم ساعدت من طلبة كانوا على وشك الفصل من الجامعة, وطلبة قبلت أعذارهم الواهية حتى لا يرسبوا بالغياب, واخرون تركتهم يتوسلون الدرجة, ولم يعلموا أنهم حصلوا عليها بمساعدتي, لأنني أردت أن يؤمنوا بأنفسهم, كنت كغيري من الأساتذة الأفاضل, نضع التقديرات على ورقة الأسماء, ثم نستغفر الله على "مبالغتنا" وأحيانا "كذبنا " في هذه التقديرات. وكم كنت أمزح مع بعض الأخوة قائلا لهم بعد رصد الدرجات: ولا حتى ماء زمزم يطهرنا مما "اقترفناه"من جناية بحق العلم والتعليم...وكان رد معظمهم" يا معود.. إهي اوقفت على هاذي", الديرة كلها خربانة. كان ردهم يحمل الكثير من الصحة ومن الألم, مثل هذه الردود تجعلك وكأنك تحرث في البحر, لكنني لم أعدم الأمل بشباب الكويت رغم تشاؤمي المعروف, لم نكن نملك غيرهم, ولم يكن أمامي سوى الإيمان بقدراتهم على التغيير.في العزلة التي فرضتها الظروف الصحية السيئة علي, لا أملك سوى شكركم من بعيد على كل لحظة كسل وتقاعس, وكذبة بيضاء والتعلل بالأعذار الواهية...حتى ساورني الشك أن أحدكم قد لا يمانع في وفاة أحد أقربائه لمجرد تقديم عذر حتى لا يُفصل من المقرر بعد أن تجاوز النسبة المحددة قانونا! مرة أخرى أشكركم لأنكم أدخلتم المتعة البريئة إلى حياتي.لكن ما أريده منكم حقا أن تتذكروه...الالتزام في حياتكم العائلية والوظيفية, لا شك أنكم ستنسون الكثير مما تعلمتموه, لكنني أثق بكم.
كاتب كويتي
--

خبر محزن بالفعل , على الرغم من أنني لم يحصل لي الشرف في أن اكون طالبا عند الدكتور البغدادي , و لكن بعد قراءه هذه المقالة استطيع القول بأن الجامعة و الطلبة هم من خسرو ثقافة الدكتور و علمه الغزير و التي كان يشاركهم بها يوميا . 0
-
استاذي الرائع , لا أعلم عن ردة فعل تلاميذك داخل الفصول الدراسية من جراء هذا الخبر , و لكني كتلميذ لك خارج الجامعة و كشخص نادرا ما يفوت لك مقالة منذ سنوات عديدة اقول شكرا لك على كل ما قدمته .0
-
اتمنى لك ان تتخطى ظروفك الصحية و أن تكون سليما معافا على الدوام حتى لا تحرمنا من كتاباتك المتألقة و التي تعودنا عليها.0
-
و تأكد بأن التنوير العقلي لو أصاب طالبا واحدا مقابل حفنة ممن مررو عليك كطلبة فهذا أكثر من كافي بأنك اديت واجبك تجاه الكويت و أبنائها بامتياز.0
-
ما تشوف شر و الشكر الجزيل لك مرة أخرى .0
-
تلميذك موزارت
-

8 comments:

rai said...

هذه ضريبة العمر عزيزي موزارت , هو لن يستطيع التدريس لكنه يستطيع الكتابة , عموما من وجهة نظري ومما اراه حاليا لبعض الطلاب فهم "مو كفو" عقلية الاستاذ البغدادي لانهم كمن ينفخ في جربة مقضوضة .

blacklight said...

أحمد البغدادي تعجز الكلمات عن وصف ما قدمه هذا الإنسان لنا كشباب نؤمن بالحريه.
لم يحصل لي الشرف أن اكون طالبا عنده لكني تتلمذت تحت يد صديقه الراحل د.سيف عباس الذي يذكره الجميع عندما وضع على نفسه الأغلال باليوم الأسود الذي أعتقل فيه البغدادي. حينها تعلمت من هذه العقول الحره معنى الحريه والنبل والشهامه مهما كثرت العقبات وكثر الخصوم.

أساتذتي الكرام لولاكم لما سرنا بهذا الدرب الشائك الذي تنسينا أخلاقيته وقيمه النبيله ألم الكراهيه والحقد التي نحصدها يوميا من خصوم جدد يصنفونا مجمرمين لأننا طالبنا بالحريه كما يجب أن يطالب بها

شكرا موزارت على اللفته الكريمه

Jako said...

تشرفت بأن اسمي مذكور بالمقال

اتصلت عليه وشكرته

بالفعل هو بمقام الأب بالنسبة لي

زرته في البيت من يومين وللأسف صحته سيئة :(

http://failecha.blogspot.com/2009/09/blog-post_28.html

وهذا رابط بوست نزلته بعد ما زرته أول ما طلع من العناية المركزة من شهرين

بالفعل أنا حزين :(

AyyA said...

شكرا موزارت
لقد كتبت بالضبط ما كان يخطر علي بالي و أنا أقرأ مقاله الوداعي، بالفعل خساره
أنا أيضا لم يكن لي الشرف بأن أكون أحد طلبته و لكنه معلمي بالرغم من ذلك، أرجو له الشفاء العاجل و أتمني ألا أري كتاب منه يودعنا بكتاباته
البغدادي كان كثير التذمر من من إستولوا علي جامعة الكويت و صرحها العلمي و هو كان لسان حالي و غيري من مستوي التعليم لدينا بالكويت، و لكنه مع رحيله عن الجامعة يضل شمعه منيره فيها مهما كثر فيها الجهله و الجاهلون

الغالي بلاكي
د. سيف عباس للأسف لم أسمع عنه إلا بعد وفاته و لم أقابلته مع أنه كان زوج صديقتي و كم ندمت بعد ذلك

تحياتي

Mozart said...

نشكركم على المرور و التعليق

sawsanah said...

سلامة الأستاذ الكبير البغدادي ومايشوف شر


أكن للدكتور أحمد البغدادي الكثير من الحب والتقدير وأتابع مقالاته في جريدة السياسة الكويتية ويؤسفني سماع خبر مرضه

:(

لاديني said...

لم أتشرف بمعرفة الدكتور أو القراءة له من قبل
لكن من البوست وتعليقات الزملاء اشعر بالفعل انه خسارة

سأبدأ في البحث عن مقالات له للإطلاع ولو متأخراً

وبالفعل
في حياتنا أناس لهم اثر كأنه النحت لن يزيله الابتعاد

والأجمل من كل ذلك
وفاء المتعلم للمعلم وامتنانه وتقديره



تحياتي

الكويت said...

اتمنى من كل قلبي وجود اشخاص مثل الاستاذ الكبير احمد البغدادي فعلا رجل جريء وواثق من نفسه والاهم انه مو منافق مثل الكثير من الكتاب,
والي انا اشوفه الحين ان قليلين مثل الاستاذ احمد البغدادي فهو فعلا شخص نادر وانا شخصيا من اشد المعجبين بكتاباته وخساره والله ان جامعة الكويت فقدت شخص مثله والله يقومه بالسلامه وماننحرم من كتاباته